
وجوه المارة تحمل بقايا وسن طويل والحراك يدب بطيئآ على الارصفة , الشمس تلون القمم العالية للبنايات
بصبغتها فيما تفلت بعض حزمها الضوئية من فراغات الرؤية المطلة على افق الشروق وتخطط الاسفلت بشرائط ذهبية ، ابنية المدينة تحاذي بعضها مثل قطع دومينو عملاقة لها عيون وافواه تسقط ظلالها على بعضها فترسم مشهدا مثيرا للريبة خاصة وان الابنية التي لوثها الظلال تبدو كأنها مخلوقات ملثمة تهدد نهارات المدينة المتوجسة وفي بيتي الصامت مثل حلزون تركت طفلتي تحت طائلة الحمى وخرجت مهرعا نحو الشارع ابحث عن دواء خافض للحرارة ، امضيت الليلة الفائتة ساهرآ حتى الصباح ومنهمكآ بصنع الكمادات الباردة ووضعها على جبين الطفلة ذات السبعة اعوام ارقب زفيرها الحار وشفتيها اليابستين ووجهها الزهري , الذعر والخوف على مصيرها يدفعني نحو هاوية الاحباط وانا انصت لمدينة تتنفس ببطء تحت ثقل ليل حالك السواد جراء توقف محطات الطاقة وبين ساعة وأخرى تعطس المدينة عندما يدكها صاروخ او قذيفة اتيّة من ضواحيها الغربية او الجنوبية ، ليس من السهل على اب ان يرى فلذته تذوي وتعلوها صفرة خريفية تكبح روح اليفاعة فيها . . حين اعتليت شفة الشارع المخططة بالابيض والاصفر وليت وجهي صوب ناحية تمثال السيدة الذي يتوسط الميدان الرئيسي من الضاحيه الشرقيه والى يساره تقع صيدليه اعتدت على شراء الادوية منها , وفي كل مرة امر فيها من امام التمثال اسّمر نظراتي فيه بل ادقها مثل اوتاد فتراكمت صور للتمثال في ذهني وفي لحظة من تلك اللحظات التي امارس فيها رهبانيتي امام التمثال اكتشف انه شديد الشبه بامي . وفي الليلة الليلاء الماضية الحّت على امي ان انام واترك لها العناية بالطفلة اما زوجتي فقد بقيت راكدة قرب السرير لاتلوي على شيئ بعد ان تشاجرنا بسبب خلو البيت من الادوية الخافضة للحرارة , توطدت العلاقة بيني وبين التمثال بعد ان تأكد لي انه شبيه بأمي تماما ، لم اتصور يومآ ان هذا التمثال يمكن ان يكون شبيهآ بأمي ولذلك فانا اخشى البوح بهذا السر واكثر ماكنت اخشاه من الحديث عن حقيقة شبه التمثال بامي هو ان ينتقل اسمها اليه . وهذه العصابة التي تشد راس التمثال والذؤابات النازلة منها لاتختلف كثيرا عن عصاب رأس امي . عندما تنفس الفجر اخبرتني طفلتي بأنها تفضل شد رأسها بعصابة لتخفيف الالام وعلى الرغم من عدم قناعتي برغبتها الا اني قد امتثلت لها ووضعت رباطآ ابيض حول رأسها الصغير فكان لون شعرها القهوي متجانسا مع القماشة البيضاء فيبعث هارمونيكا لونيآ يضفي على وجه أبنتي جمالآ أخّاذآ.
في أحيان كثيرة أرى امي تشد خصرها باطراف عبائتها , وهذه الطريقة استورثتها من النسوة الجنوبيات اللاتي اذا اردن ابداء نشاط مفعم بالصبا اثناء العمل يشددن اذيال عباءاتهن حول خصورهن وعندها تصفهن النساء الكبيرات في السن (بالاحديثات)اللاتي تبدو الواحدة منهن مثل نحلة دقيقة الخصر , وكان ذلك قد جسده النحات في تمثال السيدة .
كانت الصيدليه تأتي بعد عطفة الشارع مباشرة , وكنت اخشى ان اجدها مغلقة , المدينة حذرة كعادتها وهي تستحم بشمس أيار بعد ليلة ثقيلة الظلام والصمت , وعلى الرغم من شدة قلقي على طفلتي الا اني وجدت نفسي نابتآ تحت منصة التمثال مثل وتد تشظى رأسه من شدة الطرق , كانت المرأة تبدو لي كما لو انها على وشك ان تخطوا تاركة منصتها المغلفة بالمرمر الاخضر المشرب بالصفرة وهي تشق ريحآ صرصرآ ونظرها مصوب نحو الافق , ران على ذهني ان زوجتي عندما كانت تساعدني على فتل اكرة الباب قد حذرتني من التأخير على طفلتنا التي تتضور حرقة من السخونه وباتت قاب قوسين او ادنى من الاغماء , قرأت في عيني زوجتي عتبا شحيحا على غياب الالفة المعتادة بيننا طوال ساعات الليلة الماضية , كانت عينا امي مصوبة في وجهي الليل كله , استعدت صورتها وانا انظر في عيني التمثال فلم اجد فارقا كبير بين عيناها وعيني التمثال , الليل بطوله كنت ارنو الى وجه ابنتي الذابل وكنت ارقب امي وهي تتملى في وجهي قلقة وكنت اقرأ في عينيها مقامة الامومة في شيخوختها كانها تتوسل بي ان اتذكر قلقها علي اثناء ما انا قلق على ابنتي . في الصيدلية لم اجد زبونآ غيري , وضعت الدواء في ضرف ابيض وناولت النقود للصيدلي , لم اتذكر شيئا مما حدث داخل الصيدليه فأنا الان وسط الساحة وان حريقا قد شب عند قاعدة التمثال , وسحابة من الدخان والغبار تحول دون رؤية رجل تداعب الريح قميصه وهو ساقط عند قاعدة التمثال والنار تنتقل من سيارة الى اخرى ويشتد اوارها عندما تفجرت خزانات الوقود ، الهواء يقتاد الغبار والدخان بعيدآ عن الميدان وقد اخلى فضاء الساحة من اثار الانفجار قبل ان تخلي سيارات الانقاذ القتلى والجرحى لم اسمع صوت انفجار , بل سمعت صمتا يئز في اذني حتى هذه اللحظة . التمثال ما زال واقفا ولكن على قدم واحدة , شعرت ان امي قد فقدت ساقها , انتابني الذعر وتناسيت محنة ابنتي وفي لحظة تمثل لي وجه ابنتي مثل قرص مضاء عائم مع الغبار والدخان , لفني الاسى واجهشت بالبكاء وانا ارسم صورة في ذهني المضطرب لابنتي وقد فارقت الحياة , لم يبق طائرا واحدا على شرفات المنازل والاشجار لكن الفوضى والضجيج قد عم الساحة وناس يتركون الميدان مرعوبين كأن تنينآ قد خرج اليهم , لكن هناك حشودآ ضخمة من الناس تتوافد الى الساحة من الشوارع الفرعية متجهة نحو التمثال وفي الجهة المقابلة امرأة تشد خصرها بأذيال عباءتها , ورجل غاضب يصرخ ويلوح بقبضته قرب منصة التمثال ووجدت نفسي ارفع ظرف الدواء والوح به في الهواء , وفي الجهة الشرقية من الميدان ارى امي قد شدت خصرها باطراف عباءتها كأنها تشق ريحا صرصرا وعيناها مصوبة نحو الافق والى جانبها ابنتي معصوبة الرأس تلوح بقبضتها الصغيرة في الفضاء وقد بدا لي فمها من بعيد مثل زهرة رمان مضمومة التويج فيما كانت زوجتي ذاهلة بالبحث عني . |