قاسم مطرود :ملعون أنا إن لم أحب العراق - رحاب الهندي
بواسطة: urrnina بتاريخ : السبت 30-05-2009 07:05 صباحا
قاسم مطرود، عاش طفولة مختلفة في أزقة مدينة الثورة (تلك المدينة العاقر التي ولدت أحرارا. انضم إلى فرقة مسرح الرفض ثم تحول إلى مسرح المدينة، وكانت تلك الفترة من حياته من الفترات التي خاض فيها في عالم التجربة المتشعبة ما بين تضاد الآراء.
تخرج في أكاديمية الفنون 1998 قسم الإخراج وغادر الوطن ليتابع دراسته في أكاديمية هلفرسم الهولندية.
قدم مجموعة من الأعمال تأليفا وإخراجا منها”طقوس وحشية“ للروح نوافذ أخرى”رثاء الفجر“ ”الجرافات لا تعرف الحزن“ أسس موقعاً الكترونياً بعنوان”مسرحيون“ وهو مؤسس لرابطة نقاد المسرح والبرلمان الثقافي العراقي في هولندا.
كان قاسم ضيفاً على مشروع ملحقنا ونحن نغوص باحثين عن إبداعاته ضمن مبدعين يسكنهم الوطن.. كتب لنا شاكراً هذا الموضوع. ومن وطن الغربة تواصلنا معه عبر الانترنت سألناه وأجابنا فكان هذا اللقاء..
* لم يستطع المسرح أن يكسب الجمهور بعد الحرب هل من الممكن شرح هذه الحالة من وجهة نظرك؟
- للحرب سلطتها على جميع مرافق الحياة إنها تعطل كل شيء حتى الحواس والمشاعر والنظرة إلى الأشياء وما كنا نحبه قد نكرهه بعد الحرب أو يحدث العكس، إن الحرب تبيد الحب والمفارقة إن الكلمتين متشابهتان ولا يفصل بينهما إلا حرف الراء وكأنه هو الذي يحدث تلك الجلبة فما بالك بالمسرح ذلك الفن الإنساني الذي يخاطب الإنسان كونه إنسانا أولا ومن ثم تأتي المسميات الأخرى فيما بعد.
يقينا يكون المسرح هو الهدف الأول للحرب ومن قاموا بتأجيجها أو روعتها الذين يهربون من مواجهة هذا الفن الذي قد يصقل إنسانيتهم أو يكشف عن المستور. فكيف للمسرح أن يكسب جمهورا مرعوبا تحاصره الجرافات وبساطيل المحتل وسوف اكتفي بذكر اسم الفريد جاري الذي تناول الحرب ومدى قسوتها في مسرحيتي”أبو ملكا وأبو عبدا“ ولا أريد أن استطرد كثيرا.
أقول لا تتجسد كلمة البشاعة بشيء أكثر مما تتجسد في كلمة الحرب في كافة أشكالها.
* الكاتب هو المخرج الأول للنص هل تسلم القيادة الكاملة لمخرج نصوصك؟
- إذا توصلنا إلى الفهم الحق لفن المسرح، وقيمة دوره في إرساء نظم حضارية جديدة، سنغير حتما قاموسنا اللغوي، أنا افهم المسرح يا سيدتي بأنه إبداع وخلق ما لم يكن موجودا من قبل، وهو عمل جماعي، لذا يمكننا حذف كلمتين من السؤال وهما”القيادة الكاملة“ونتركها لقادة الحرب الذين لا يفكرون إلا بالنصر حتى ولو على حساب قطعاتهم، إن المفهوم ملغى بالنسبة للمسرح أو على اقل تقدير بالنسبة إلي.
فان كتبت نصا مسرحيا وأراد المخرج السياحة فيه بحثا عن ذاته، سأكون أول من يرمي له طوافة النجاة أو أدله إلى المصابيح، ولكن عليه أن يجتهد.
أتفق معك بأن المؤلف هو المخرج الأول للنص وان لم يكن كذلك فسوف لا يخاطب القارئ ويجعله يشاهد النص عرضا، وبالنتيجة لا يقترب منه المخرج الذي يبحث عن خطاب حي أو نص يتحرك أمامه على اقل تقدير ولكن ما نوع الحركة؟
يحدث معي كثيرا عندما يسألني مخرجو نصوصي مثلا ماذا تعني بالمشهد الفلاني أو الرمز الفلاني أو الشخصية الخ.
وأجيبهم دائما بأني درست الإخراج أكثر من عشر سنوات لذا اقدر قيمة المخرج، والمخرج الذي لا يأتي بجديد على النص عليه أن لا يخرج ويتركه للقارئ الذي يصنع عرضه بنفسه.
المسرح عمل جماعي للمخرج حق الخلق والإبداع والاكتشاف والتكوين كما للمؤلف أو أكثر وهذا ينطبق على الفنانين والفنيين أيضا بل على الجمهور الذي عليه أن يصنع العرض النهائي بعد سياحة المؤلف في عالم الكلمات وتجوال المخرج في معرض الصور.
* نصوصك المسرحية خروج عن المألوف في صياغة البناء الدرامي والحوار وبعيدا عن التقليدية ما تعليقك؟
- إذا كان هذا تصورك عما اكتب فهذا حسن،ولا املك أي تعليق على نصوصي وهذا ما يقدره النقاد،أتمنى أن اكتب ما لم يكتب من قبل أو أحاول أن اخلق لي مساحتي التي تمكنني من البوح.
* موقع (مسرحيون) هل هو العودة النفسية للوطن رغم المنفى؟
- السؤال أكثر من رائع، لذا الإجابة عنه تحتاج إطالة وصحيفتكم لا تسع إجابتي حتما، ليس” مسرحيون “ وحده هو الذي يحيلني إلى الوطن وتربطني به نفسيا وأخلاقيا، مشكلتي إنني عراقي وأحب العراق حتى النخاع، وذات ليلة جلست مع نفسي وأوصيتها بان تؤدي الفرائض للعراق، وتوصلت في نهاية الأمر بذبح كبش كبير اسمه”مسرحيون“.
المسرح علمني كيف أقدس الأشياء واحترم المقدس الحق، وأحاول زعزعة المقدس الهش أو الذي بنته الخرافات.
فما بالك بالعراق الذي شكل سحنتي وتدخل في تركيب لحمي وعظامي والرحم الذي حملني ينام تحت تراب العراق.. ملعون أنا إن لم أحب العراق أو أقدم له ما يستحق للمسرح والمسرحيين.
كفى بدأت أتوجع.
* قضية التنافر والتجاذب بين النقاد والصحافة من جهة وبين الفنان من جهة ما رأيك؟
- إذا بقينا نتعايش مع هذه الصراعات والحساسيات سنتأخر أكثر مما نحن الآن، لذا فأنا لا اشغل نفسي بهذه المهاترات والصراعات التي تدعوني إلى التوقف والجمود، وما أتمناه هو السير قدما مستغلا للوقت الذي لا يرحم، وسوف لا يبقى لنا إلا ما قدمنا من منجز إبداعي إنساني، وما عدا ذلك يبقى في تجاعيد الصحف السمراء.
علينا أن نراهن على الغد ونترك ما هو آني رخيص.
* الاستفزاز قاعدة الإبداع إلى أية درجة كان الاستفزاز في حياتك قاعدة للإبداع في حياتك؟
- اليوم وأنا أطالع كتاب وردت جملة على لسان فيدور شليابين يقول فيها: إن الرسامين هم الذين علموني الغناء.
دفعني بالحال إلى إغلاق الكتاب والتأمل في هذا المعنى الذي استفزني.
لذا إذا خلا الفن من الاستفزاز يكون ناقصا، أنا استخدم الاستفزاز بمعان كثيرة، المهم في الأمر انك تستحوذ على القارئ وبالتالي على المتلقي عن طريق استفزازه وخلخلت الساكن فيه بغية إحداث تحول مرجو أو مرسوم مسبق.
* تحول المسرح العراقي بعد السقوط إلى مسرح النخبة أليس هذا نوعا من القصور في العملية المسرحية؟
- كلا انه ليس قصورا ومن قال إن المسرح جماهيري، اجل أمنية جميع مشتغلي المسرح أن يكون المسرح جماهيريا وجمهوره مثل كرة القدم وحلم المخرجين تقديم العروض في ملاعب القدم، ولكن هذا لا يتحقق لان الكلمة في المسرح ليس كرة والهدف فيه لا يدخل الشباك، وحال النخبة ليس في العراق فحسب بل في جميع إنحاء العالم هناك مسرح النخبة التي تذهب إليه العائلات باعتباره تقليدا عاليا.
إلا أن وضع العراق مختلف تماما، ومن الصعب وضع أي مقياس الآن، طالما هناك حرب وموت الزرع الأخضر.
في هذه المرحلة علينا أن نكون رفقاء بالمسرح ولا نطلب منه أكثر مما يستطيع تقديمه أو نتهمه بالخيانة بعد أن صارت الأرصفة شاهدا على خيانة الآخرين.
* فرقتك المسرحية الأولى الرفض هل مازالت تنطلق من مبدأ الرفض في حياتك لكل ما هو تقليدي في الأعمال المسرحية تأليفا وإخراجا ونقدا؟
- إن لم يكن نصي المسرحي لا يحتوي رفضا لما هو تقليدي فلم اكتب واتعب نفسي، إني أحاول أن اصرخ في عالم أصم إن ما يحيط بنا يخذلنا إنسانيا ويستجمع كل قواه كي يهد عزيمتنا إلا أن من يمتطي ناصية السؤال ويقبض على ضوء الحروف يكون رافضا محتجا على الراكد والمستكين المستبد وبهذا يتحول إلى خلاق مبدع مضيف ونحن بحاجة إلى خلاقين أكثر من مقلدين كي يكون لنا صوت.
* كيف تتواصل مع عالم المسرح العراقي وأنت في المنفى؟
- لمجلة” مسرحيون “ الفضل الأكبر في ربط الجسور بيني وبين مسرحيي العراق والوطن العربي، إذ تصلني الأخبار أولا بأول، واعرف حتى المشاريع المسرحية، بل بدءا من اختيار النصوص، وأحيانا انشر مشاريع الفرق المسرحية لفترة قادمة، وهذا يعني إني في تماس دائم مع كل المستجدات، وتصلني أيضا آخر النقود المسرحية والصحفية والمقالات والدراسات، واعرف من هو أستاذ ومن هو تلميذ ومن ترك المسرح وأخذته الحياة في مشاربها، بل يمكنني القول بأني تواصلت مع المسرح العراقي في المنفى أكثر مما كنت في الداخل، والفضل يعود لعالم ألنت وسرعة وصول المعلومات، ولدي حوالي 4000 أيميل لفنان مسرحي عربي وأتواصل معهم كلما اقتضت الضرورة.